فخر الدين الرازي
129
تفسير الرازي
اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله : * ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) * ( النجم : 9 ) أي في نظركم واعتقادكم . وخامسها : أن كلمة " أو " بمعنى بل وأنشدوا : فوالله ما أدري أسلمى تغولت * أم القوم أو كل إلي حبيب قالوا : أراد بل كل . وسادسها : أنه على حد قولك ما آكل إلا حلواً أو حامضاً أي طعامي لا يخرج عن هذين ، بل يتردد عليهما ، وبالجملة : فليس الغرض إيقاع التردد بينهما ، بل نفي غيرهما . وسابعها : أن " أو " حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقاً كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيباً ولو جالستهما معاً كنت مصيباً أيضاً . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : " أشد " معطوف على الكاف ، إما على معنى أو مثل : " أشد قسوة " فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما على أو هي أنفسها أشد قسوة . المسألة الثالثة : إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه . أحدها : أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلتها كما قال : * ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) * ( الحشر : 21 ) . وثانيها : أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره ، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى : * ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ) * ( الأنعام : 38 ) إلى قوله تعالى : * ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) * ( الأنعام : 39 ) كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم . وثالثها : أو أشد قسوة ، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه ، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال ، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه . المسألة الرابعة : قال القاضي : إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر ، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له : إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا ، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم ، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريراً وتفريعاً مراراً وأطواراً . المسألة الخامسة : إنما قال : * ( أشد قسوة ) * ولم يقل أقسى ، لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة ، وقرئ " قساوة " وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس